دلال البزري

النقاب ينتشر في القاهرة بأسرع مما انتشر الحجاب. الأخير احتاج الى عقدين وبضع سنوات ليأخذ طريقه الى الغالبية العظمى من المصريات. النقاب يعمّ الآن، وبوتيرة متسارعة. كل يوم تخرج الى الشارع، أو الى أي من هذه الأمكنة التي يلتقي بها الناس، تجد منقّبة اضافية، ربة عائلة، أو بمفردها، أو مجموعة منقبات في المترو أو السينما أو الفندق أوالمطار أو الجامعة أو "المولات"، أوالمنتجعات السياحية على الشواطىء، حيث يسبحن بكامل النقاب في البحر، ويخرجن الى شواطئه محمّلات بأثقال نقابهن المبلّل بمياهه... أو فوق دراجة نارية خلف الزوج، تتشبّثن بطفل او اثنين. أيضاً في الأحياء الفقيرة والراقية، بالخط البياني نفسه الذي سلكه الحجاب: من الأفقر الى الأغنى من بين الطبقات. وتجد هذا الخيط مجازاً في بعض الأمهات المنقّبات بصحبة بناتهن اللواتي لم يبلغن بعد السن "الشرعي" لارتداء الحجاب. بنات دون السادسة، وأحيانا بنات رضيعات، يرتدين الحجاب برفقة امهاتهن المنقبات؛ للقول ربما بأن هذا الحجاب هو إعداد للنقاب، خطوة نحوه، فور بلوغ السن "الشرعي".

في العمارة التي سكنت فيها في المعادي القديمة، دخلتْ منقّبة لم يسألها البواب عن مقصدها، كأنه يعرفها. سألته عنها، فقال انها استاذة الدين لزوجات أصحاب العمارة. وهن ثلاثة ربات بيوت شابات يرتدين الحجاب "السبور" والأنيق، ولكن "المثبّت" جيدا. في يوم آخر زرتُ "مقهى حنان الترك" في مصر القديمة مع رفيقتي سلوى، نستطلع معا هذا المكان الذي خصّصته هذه النجمة "التائبة" للمسلمات المحجّبات والمنقّبات. المكان مغْلق، ويجب رنّ الجرس لكي يُفتح بابه على من يرتدنه. السيدة الجالسة خلف مكتب في مدخله، مثل حارسة معبده، تدقّق بطبيعة الحجاب الذي على رؤوسنا إيذانا بالدخول، بعد ان تسجل اسمينا وعنوايننا. لا تبدو سعيدة بنا؛ فالأرجح انها تأكدت مما أبلغته عنا الموظفة الواقفة خلف العين السرية، من اننا لسنا محجبات "جديات". لم يرقْ لها حجابنا: سلوى وضعت شالا على رأسها وربطته مثلما يُربط الحنك بعد خلع سن من الاسنان. اما أنا، فكان حجابي واضحاً، يريد ان يقول اني لست بمحجّبة. المهم اننا وجدنا مقهى وصالون تجميل وبوتيك للأناقة المرتفعة الأسعار، يفوق قدرات امرأة من الطبقة المتوسطة العالية. بعض اللواتي انضممن الى هذا المقهى المغلق من المنقّبات اللواتي، ما أن اسفرن عن وجوهها حتى بانت عليها نعم البحْبوحة، يتجولن في زوايا المقهى الفسيح، يشترين الجلاليب الفاخرة اللامعة بأناقة ويسر، من غير التدقيق بأسعارها المرتفعة جداً.

هذا للقول بأن النقاب عبَرَ الطبقات الاجتماعية كلها. واذا لم يكن قد شمل حتى الآن نجمات بعينهن اكتفين بالحجاب، فمن المرجّح انه سلَكَ طريقه نحو الأقل نجومية من بين نساء الفئات الأكثر تمكَناً. وهي فئة يصعب التعرّف على دواخلها، سيما وانها نادرا ما تتردّد الى الشارع، أو الى أي من الامكنة التي يلتقي فيها المواطنون العاديون من الطبقات الأدنى: مترو أوتوبيس، ميني باص، تاكسي... فالأغنياء الأغنياء، وجلّهم أغنياء جُدُد تقريبا، باتوا يعيشون في "مدن" مقفلة، "مدن" صحراوية لها كل مستلزمات المجمعات الفاخرة: من الترفيه الى المساحات الخضراء والمقاهي والمولات التجارية والمدارس والعيادات الخاصة... هاجرين ضفاف النيل وتاركين مشكلاتها المستعصية لمن خانتهن جيوبهم أو ظروفهم.

والمنقبات لسن طبقات فقط. بل أذواق وطبائع وجنسيات.

بينهن ذات النقاب الرثّ بالقماش الصناعي الخانق والألوان الفاقعة الباهتة؛ أمهات بالشبشبْ، محمّلات بالرضع، يجرْجرن أطفالهن الأكبر سناً. بينهن أيضا امهات "عصريات"؛ ولد واحد تحمله أمه بنقاب مرتّب أنيق، لا ذيل له يلملم غبار الطريق. رشيقات رياضيات يلبسن الـ"تنيس شوز" ويحملن شنطة خلف الظهر والرضيع على الصدر، مثل الامهات الأوروبيات المتنقلات في المدن المزدحمة، أو اللواتي نتخيلهن هكذا. ومنهن من لا تقلّ أناقة عن المتبرجات: "جلباب" على المقاس، مع درْزة فوق الخصر وتحت الصدر، درْزة تضيّقهما، فتعطي للجسم شكله الانثوي المُرْضي؛ وعلى الرأس نقاب فاتن، عيون مكحّلة بالسواد، قفازات من الحرير الأسود تغطي الخواتم والأساور، وعطور تعبق في المكان... التقيتُ باثنتين من هذا الصنف من المنقّبات في رحلة بالقطار من القاهرة الى الاسكندرية. كن جالسات في المقعد أمامي. رائحتهن تسبقهن وفرحتهن تعلو، ثم ضحكتهن، مع الابتعاد عن محطة القاهرة. والأسباب الظاهرة لهذه الفرحة انهن خلعن النقاب والقفازات، فبدت وجوههن المتبرجة، وخواتمهن البرَاقة ظهرت أخيرا للعيان! مرة أخرى التقيتُ على مدخل أحد المستشفيات بامرأة ترتدي تايور كلاسيكي، بنيّ اللون، ضيّق وطويل حتى القدمين، وعلى وجهها نقاب أسود مطرّز ومربوط على رأسها على الطريقة الملكية الفرعونية، مرفوع على شيء صلب، كارتون ربما؛ ترى جزءا من جبينها وفسحة فوق حاجبيها، المكشوفين بدورهما. وهذه منقّبة من الصنف "المتحرر". الفرق بينها وبين المنقّبة "المتشددة" انها أعطت فكرة عن قدّها وعن عيونها؛ فضلا عن انها لم تلبس القفازات السوداء، وصوتها يسمعه الجميع.

لكن اللواتي تتفوق أناقتهن على جميع المنقبات هن المنقبات الخليجيات، وقد ازداد ايضا عددهن في الفنادق والمجمّعات التجارية والسياحية. المنقبة الخليجية تستطيع ان تعرفها عن بُعد. نوع القماش والتطريز الثمين، والألوان الغامقة المزركشة والعطر والحذاء ذو الكعب العالي؛ ناهيك عن لفة الرأس المتميزة، التي تعلوها كتلة، تبدو كأنها تتمة لتاج. اما اليمنيات، فتصادفهن في شوارع وسط البلد، بين محلاته التجارية؛ يتجولن بأعداد كبيرة ومعهن رجل أو رجلان. نقابهن أكثر تواضعا، أقل كلفة. لكن بعضهن يلبسنه كما لو كان قبعة جامدة يكْسوها سواد. ربما أيضاً بوحي من التاج الذي كانت الملكة بلقيس تضعه فوق رأسها.

لا تستطيع طبعا أن تدقَق بأعمار أولئك المنقبات؛ لكن بوسعك التقدير بأن الغالب بينهن هن الشابات. هذا ما تستنتجه من المفاصل العامة للجسم، من الحيوية التي تنضح من حركته، الرشيقة والعصَبية. والنادرات من العجائز اللواتي يرتدينه لا تخطئهن العين المجردة: هندامهن كله مهلهل ورثّ. وقد تكون هذه الفئة من المنقبات في اسفل السلم الاجتماعي القاهري من بين منقّبات العاصمة.

نقاب فقير أو ثري، ورع او مغناج، ، ممشوق أو مرهق، مصري أو خليجي، متحرر أو متشدّد... النقاب بأوجهه المختلفة، والذي يتجاوز بتنوعه وابتكاراته مجرّد الالتزام الديني، هذا النقاب أقرب الى الموضة الناشئة والواعدة. موضة جديدة على مشهد الهندام النسائي. يختلف عن الموضة التي ألفنا. مثل الموضة يميل الى التنميط، الى التشابه. لكن مصدرها هذه المرة ليس الغرب، بل مما يُتصوَّر على انه الإسلام أو البيئة الاسلامية الشرقية الماضية. وان كانت بعض تفاصيل هذا النقاب ما زالت "تستورد" من الغرب ابتكاراته الفرعية الاخرى؛ مثل الحذاء بالكعب العالي او المتوسط او "التنيس شوز" (الاميركي)، والحقيبة ذات الأشكال الغربية المختلفة، ايضا، ناهيك عن القصّات الخاصة والثنْيات على القماش، أو المساحيق التي تضعها بعضهن على عيونهن والعطور الباريسية. انها الموضة الأنتي موضة. موضة معادية للمصدر التقليدي الغربي للموضة. هي مثل الاستئناف لما سبقها، أي الحجاب. وهي إنقلاب على ما سبق الحجاب.

لكن النقاب هذا، نقاب الألفية الثالثة، لا يشبه النقاب التقليدي الذي كانت ترتديه النساء القليلات الخارجات من بيوتهن في مطلع القرن الماضي. يتصور هذا الانقلاب الجديد انه عائد الى زمن أسبق. لكنه في الواقع يترجم روح هذا العصر، الذي يهيمن عليه دين طقوسي عِبادي، لم تعهده العصور الاسلامية السالفة؛ دين محوره الطقوس والعبادات، لا الاخلاق والمعاملات. فمثل الحجاب، يعتبر أهل النقاب ان ارتداءه "عبادة" غايتها "درء المزيد من الفتنة".. لكن الغواية الاثنوية ماهرة في مدارة "العبادة" و"الفتنة" في آن. لا تستطيع غير ذلك، خاصة اذا كانت الأنثى ما زالت شابة، ومهما اختلفت الطبائع والسِيَر. والابتكارات والتفاصيل الصغيرة التي تمنح كل منقبة فرديتها الانثوية هي خير شاهد على كيفية ادارة هذا الثنائي الجهنّمي: "الفتنة" و"العبادة".

الرجال المرافقون لأولئك المنقّبات قليلا ما تجدهم يلبسون ما يتّسق مع المناخ الماضوي أو التراثي الذي يحاكيه النقاب، أي الهندام السلفي: بالجلباب القصير واللحية المنفلتة، وأحيانا القبعة الأشبه بالأفغانية؛ فالأرجح ان أصحاب هذا الهندام لا يسمحون لنسائهم بالخروج إلا عند الضرورة القصوى. فالرجل المرافق للمنقّبة يرتدي عادة بنطلون، "جينز" أميركي غالبا، وقميص وسترة جاكيت قصيرة. وأحيانا "تي شيرت" قصير أو ضيق أو من دون أكمام. وحذاؤه ايضا "تنس شوز" أميركي أو مجرد حذاء أوروبي التصميم. وشعره ذو القصة الدارجة، "سبايكي" أو "مارينز" أو مجرد "جل" يلمّعه. كأن الموضة المنقلبة على الغرب ليست سوى قضية نسائية. تخص النساء دون الرجال.

اذا أردت تقدير حجم هذا الانقلاب، تصوّر نفسك بعد 50 عاما تتصفّح كتابا عن الازياء عبر العهود. ماذا عن الفترة الممتدة بين القرن الماضي الذي انقضى، وحتى الآن، العام 2010؟ النساء كن منقّبات في أوائل القرن الماضي، ثم خلعن النقاب في ثلاثينياته وأربعينياته، ثم خلعن الحجاب في خمسينياته وستينياته. وبعد ذلك مضين في السفور والبنطلون والتنورة الخ. ثم عدن ثانية الى الحجاب من السبعينات وحتى الآن، وقد بدأ ينافسه النقاب. نقاب وحجاب جديدان، لا يشبهان نقاب وحجاب اوائل القرن الماضي أو ثلاثينياته.

كيف نتصور اكتمال الحلقة؟ أن يسود النقاب على الحجاب بعد حين؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ المحللون متفقون على انه طالما استمرت المواجهة بيننا وبين الغرب، فسوف يبقى النقاب منتشرا، تزيد نسبته كلما اشتدت هذه المواجهة. أنظر، يتابعون، متى بدأ انتشار النقاب في مصر؟ بعد 11 سبتمبر، ثم بعد الاجتياح الاميركي للعراق الذي شهدت شوارع القاهرة على اثره انتشار التشادور، الشبيه بالايراني، ولكن مع ربطة اضافية حول العنق...

اذن، لو تصفّحتَ كتابا عن الازياء عبر العهود، وفي ما يخص منطقتنا وزمننا، فمن هندام النساء سوف تخلص الى فهم طبيعة العلاقة مع الغرب، تماهياً مع ثقافته أو لفظاً لها. ولو قارنت بين هندام النساء وهندام الرجال فسوف تلاحظ ان الرجال اكتفوا بخلع الطربوش الاحمر، وبقوا على ما كانوا عليه من موضة، أي مع اضافات هامشية لم تنقلب رأسا على عقب كما في حال النساء. مرة أخرى، على أجساد النساء ترتسم معالم الحرب والسلم والنصر والهزيمة واستراتيجيات المواجهة وهوية المتواجهين. أتساءل أحياناً: كيف يكون المشهد لو كانت نساء الغرب منقبات بحكم دين أو دين أو عقيدة؟ كيف ستترجم العلاقة مع الغرب عبر لباس النساء؟ أو، أيضا: ماذا لو لم تحصل هزيمة 1967 ولم يسقط معه الخط "التقدمي" الذي نزع النقاب ثم الحجاب، ولا حصل ذاك الانقلاب الديني؟ كيف يكون هندام النساء ساعتئذ؟

أقول هذا لنفسي، أشرد، وأتابع النقاش الدائر بين المصريين: من يكون رئيس مصر بعد الرئيس حسني مبارك؟ جمال ابنه؟ أم "الاخوان المسلمون"؟ ما الذي سوف يتغير في العهد الجديد بالنسبة للسافرات من أمثالي؟ ان جاء "الاخوان" فسوف يفرضون الحجاب بالقانون، كما في ايران والمملكة العربية السعودية. فهذا مكتوب في برنامجهم. اما اذا أتى جمال مبارك، فالأرجح انه سوف يفرض الحجاب بالقانون عملا بحكمة "الرئيس المؤمن" الاول، أنور السادات، الذي عدّل الدستور عام 1980، فجعل من المادة الثانية للدستور هي "المصدر الرئيس للتشريع"... فيزايد مثل سلف أبيه ويكون حجاب النساء بالقانون تلبية لمشهد شعبي ونخبوي عارم من المحجبات. ذلك ان الشرعية سوف تنقصه اكثر من السادات نفسه، الذي عينه عبد الناصر نائبا له، والذي لم يكن لا وريثا ولا مدنيا.

أتساءل ماذا أفعل في حال فُرض الحجاب بالقانون. واجابتي العفوية هي انني ساعتئذ سوف ارتدي النقاب. لماذا النقاب؟ لا الحجاب مثلا؟ لا اعرف الجواب تماما، لكنني احدس امرا في مسألة النقاب هذه، يدفعني الى التعرف شخصيا الى منقبات. لمياء ومنى وسمر. ثلاث منقبات التقيتُ بهن على باب المترو بواسطة احدى المعارف. ادعوهن لمنزلي، القريب من محطة المترو، لمياء ومنى معا، وسمر بمفردها. وجه لمياء الثلاثيني منشرح وممتلىء، وشعرها أسود طويل’ تشبه الفنانة شادية بانوثتها العذبة. لا تمانع في احتساء البيرة. شديدة الحماسة لما تصفه بـ"تحررها". وهو "تحرر" تقارنه بـ"تشدّد" قريباتها وجاراتها من المنقبات اللواتي لا يسمح لهن أزواجهن بالخروج من البيت بمفردهن. لماذا تتنقب لمياء؟ لا لسبب محدد، غير الجيران والاقارب. "ترتاح" به لأنها معه لا تشعر بأنها خرجت من "الحتّة". أحلامها كلها "فرْفشة" و"دماغها" لا يطيق النكد. لذلك تنقبت. منى أكثر شباباً من لمياء، أواسط العشرينات على الأرجح. ولكنها شاحبة وعاقدة الحاجبين. من دون غضب ولا توتر، هكذا هو وجهها. مطبوع عليه أثَرُ مشاجرة عنيفة مع أخيها الذي حاول استغلال صالون حلاقة أسّسته مع جارتها. الحق بمشروعها الاذى والضرر. فاضطرت للاختفاء خلف النقاب لتعيد بناء مشروعها بعيدا عن عيون اخيها.

اما سمر فمختلفة نوعا. شابة ايضا، جذابة وخجولة، مطلقة وأم لثلاثة أطفال. تعيش عند أهلها وتعمل في صالة عرض مفروشات. محجبة منذ أن أفاقت على الدنيا، وهي الآن منقّبة. لماذا النقاب؟ تتردّد سمر في الاجابة، ثم تجيب بعد حين: منذ أشهر، اشتدت عليّ الأعباء المادية؛ وعندما طالبت صاحب العمل بزيادة راتبي قليلا، أجابني، وبايحاءت مفهومة، "إرضي الزبائن أولا!". فهمت قصده ولكنني بدل ان أرضي زبائن الصالة، ابتعدت عن حيّنا ورحتُ أبحث عن زبائن في الاحياء البعيدة. ولبس النقاب حماية لي من قلق الناس...".

طبعا لا تمثل هذه العينة الضيئلة الا نفسها.

ولكن متابعة ظاهرتين أخريين تدفع بتساؤلاتي الى الأمام: الظاهرة الاولى هي معارك قضائية، بالنيابة أو بالاصالة، من أجل احتفاظ المنقبات بنقابهن: في المستشفيات والمدارس حيث يتزايد عددهن، ويتسبّبن بسجال عنيف بين وزير الصحة الرافض له، ونقيب الأطباء المرحب به. في الجامعة الاميركية في القاهرة حيث يكسبن قانونيا الحق بالدخول الى حرمها. وفي جامعة القاهرة الرسمية حيث ما زلن يرفضن خلع النقاب في قاعات المحاضرات والامتحانات... كما أوصى غير مسؤول رسمي، من الازهر الى الحكومة. يؤازرهن في ذلك تنظيم "الاخوان المسلمين" و"مجمع بحوث الازهر"، المتطرف دينياً والمناهض لسياسة شيخ الازهر الرسمية، فضلا عن قضاة بارزين وجمعيات حقوق الإنسان التي ترفض الهجمة "الحكومية على المنقبات"، وتدافع عن نقابهن بإسم "الحرية الشخصية".

الظاهرة الثانية هي إرتداء مشبوهين من الرجال النقاب تغطية على جنحة أو جريمة. مثل العلاقات الغرامية غير المشروعة، أو السطو أو الغش الخ. وأطرف ما تابعتُ في الصحافة قصة تلك المنقبة التي كانت تزور صديقتها المتزوجة يوميا في الصباح الباكر. يفتح لها زوج صديقتها الباب، ولا تتفوّہ بكلمة، لأنها، كما تشرح له زوجته، من المنقّبات المتشدّدات اللواتي يعتبرن صوت المرأة "عورة"... تدخل المنقبة المنزل اذن، ويذهب الزوج الى عمله مطمئنا الى صحبة زوجته. لسبب من الاسباب، يعود الزوج يوما الى منزله باكراً، وفور دخوله، يجد ثوب النقاب مرمياً على الارض، فيسرع الى حجرة النوم ليجد صديقة زوجته "المنقبة" وقد تحولت الى رجل في سريره معها...

الظاهرة الاولى تدل على السند القوي الذي تلاقيه المنقبة من قطاعات منظّمة ومؤثرة في المجتمع، والثانية تشير الى غرق النقاب في الفوضى الاخلاقية العاتية، وطبعا الى الحماية التي يمنحها النقاب للتفلّت من رقابة القانون او المجتمع.

طبعا لستُ هنا بصدد التشكيك بالحافز الديني لدى غالبية المنقبات، بنفس القدر الذي لا أناقش فيه أيضا كون هذا النقاب "من الاسلام أم لا". التساؤلات التي تلحّ علي ليست من باب الدين أو الصدقية. فليس من الممكن خلف النقاب الإحاطة بما يقف خلفه وخلف صاحبته، الا عبر دراسة وبحث مضنيَين، لا أملك إمكانا لهما الآن. تساؤلاتي حدْسية، تختلط فيها المعرفة، القاصرة بالضرورة، ثم المخيلة، غير الموضوعية بالضرورة، وبمحاولة الاحساس، أو الفهم، عبر التماهي؛ أي عبر وضع نفسي مكان هذه المرأة المنقبة الغريبة عليّ: فهل ما أتتْ به الموجة الدينية العارمة هو لباس تتعامل معه النساء كل بحسب ظروفها وطبائعها وقصتها الخاصة؟ وهل تكون حجة "درء الفتنة" التي تملي عليهن، أو هكذا يعتقدن، الاختفاء وراء هذا السواد العارم هي آخر الدوافع؟ على ماذا ينطوي النقاب؟ ضعف أم قوة؟

أهجس بالتساؤلات، وما من شيء يهدئها أكثر من خوض التجربة، شخصيا. شريكتي هذه المرة هي ثريا. أسالها عن المتجر الذي اشتري منه كل لباس النقاب. تنصحني بنقاب "شعبي"، كي لا أبدو "خليجية" كما تقول، فينفر مني المارة. وأفضل المتاجر لهذه الدرجة الاجتماعية من النقاب هي محلات "التوحيد والنور"؛ وصاحبها سيد رجب السويركي، الملقب بـ"شهريار" مصر، والذي يقضي حكما بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة تزوير مستندات واقترانه بخمس زوجات في وقت واحد، بدل أربع كما يسمح الشرع. "التوحيد والنور" في حيّ المنيل هو الاقرب: ندخل اليه، ثريا وأنا، ونصعد الى الطابق الثاني، حيث مستلزمات النقاب. البائع ملتح على الطريقة السلفية، والأرجح انه صائم. عبوسه لا يفترْ الا عندما أشرح له بأنني اريد شراء "نقاب كامل لأختي"، فأقيسه وأطلب منه أن يدلّني على كيفية ربطه برأسي، وأن يقصّ الشاش الذي يغطي العيون بالقدر المُستطاع... فيبتسم ساعتئذ، ربما لأنه وجد نفسه فجأة امام لعبة، أبطالها امرأتان سافرتان في متجر لا يستقبل غير المحجبات والمنقبات. واللعب من عمل الشيطان ، مكروه محبوب... سرعان ما تنطفىء هذه االابتسامة...

ثريا لم ترغب في ارتداء النقاب. تكتفي بوضع الحجاب على رأسها. في البيت، حيث نتسعد للخروج، هي بحجابها وأنا بنقابي، أضع اللمسات الأخيرة: كعب عالٍ وكحل على العيون، وتوسيع الشاش الذي على العيون أكثر فأكثر. ولأن المشوار كله مشيا على الاقدام، أتدرّب على المشي بهذه العباءة الطويلة العريضة، بذيلها الخلفي، وقد صمّم خصيصا، كما علمت، لكي لا يظهر شيء من "الخلف" لو هبّت الريح فجأة... الذيل يرْبكني، ولكن لا أشعر بأن شيئا تغير. "الصبر" تقول ثريا...

ننزل الى الشارع متوجّهات الى المترو. وفي الشارع، يتغير هذا الشيء. فجأة، وعند اللقاء بأول مار في الشارع، أشعر بقوة هائلة. لا أحد يستطيع أن يتفرّس في وجهي، او يحدّق بتفاصيل من جسمي، أو يطلق عليّ حكما، لا أحد يعرفني. أنا لست امرأة خفية، و لست شبحا؛ بل دبابة، أتقدم مثل الكتلة الواحدة، بثقة، محمية من سلاح النظر. الاجنبيات اللواتي التقيتهن في هذه الطريق، أو اللواتي التقين بي، وأنا في هذا النقاب، لا ينظرن اليّ مباشرة، كما يفعلن في حالتي العادية، وأنا سافرة. يسترقن النظر، مثل لصوص خائفين من جرم مشهود. انهن يخفن مني. هو الخوف من عجز نظرهن عن معرفة وجهي، هويتي. خوف من مجهول غامض، خطِر بالتأكيد. ليس من المتسبعد ان تكون الاجنبيات الخائفات من منظري قد ربطن بيني وبين السواد الذي يتختبىء خلفه الارهاب الديني الاسلامي.

في المترو، أنتبه الى "الانتماء الطبقي" لنِقابي. ثريا قالت لي انه "شعبي". ولكن في المترو أقابل نقابا أكثر "شعبية": المنقبة الحاملة طفلها والتي أوسعت لي بنوع من الترحاب، كانت عيونها منطفئة، شبْشبها من البلاستيك ونقابها من القماش الصناعي البالي والالوان الباهتة المختلفة؛ كأنها صنعت نقابها من القماش المتوفر لديها. وأنا منقّبة هكذا، أمامها، بالصورة التي وصفتها ثريا بالـ"شعبية"، أتخيل أنني من منقبات طبقة شعبية معينة؛ أقل شعبية من تلك المنقبة الجالسة بقربي. وددتُ لو اسألها، من أين هي آتية. من واحدة من العشوائيات الواقعة قريبا أو بعيدا عن خط مترو حلوان-المرج الذي يربط بين جنوب القاهرة وشرقها؟ لكن شيء ما يلهيني عنها. ذلك الاحساس بالهيبة والاحترام في مقصورة النساء للمترو. تأخذني المقارنة، بين الايام العادية والآن: في الاولى كانت الأنظار تحطّ عليّ مثل الادانة الشديدة لسفوري، وشعري المسترْسل. وفي الثانية، ها أنا أنعم بدفء سوف يلازمني طوال التجربة.

المقارنة تستمر عندما نخرج من المترو، ونمشي في شوارع وسط البلد، متجهات نحو مقهى "غروبي" الصارم المتقشف، الواقع في ميدان طلعت حرب. أنا أمشي الآن مرتاحة. عند مروري في وسط زحمة الرجال، يبتعد هؤلاء الى جوانب الطريق، ويكثرون من ذكر ارادة الله. كل الدفاعات التي كنت أعبىء نفسي بها اثناء التجول "العادي" في هذه الشوارع... كل الدفاعات أرخيت. جسمي مرتاح رغم تعثرات الذيل والحرارة والعطش. بالتأكيد تقاسيم وجهي مسترْخية ايضا، مقبلة بشغف على هذا المشهد الجديد؛ لا أنا مستفزَّة، ولا هم مستفَزون. كنت في الايام العادية، أمشي في أسواق البلد مشية الرجل المتأهب لأي اعتداء، لأي تحرش. وها أنا أمشي الآن مثل الملكة، كأنني أرتدي درعا، لا نقاب. أفكر وأنا أمشي: هل ستكون هذه الاحاسيس هي نفسها لو خضتُ التجربة في شوارع بيروت؟ هل كانت سوف تغريني التجربة هناك؟ هل ستنضح بالمعاني نفسها؟

لكنني ألعب أيضا: بمن ينظر الي وبمن لا ينظر. لعبة تعلمتها من منقبات المترو؛ حيث لا تسمح المنقبة بالنظر اليها الا اذا هي سمحت، وبحكم نقابها وحده. أستمر باللعبة، حتى وصولنا الى المقهى. أريد أن اشرب شيئا باردا. يحل الحرّ عليّ، وأستأذن ثريا للخروج قليلا الى مدخل المقهى بحثا عن ممر هواء. ولأننا دخلنا المقهى من الباب الخلفي، لم أنتبه لجنود الأمن المركزي يقفون صفوفاً على هذا المدخل بالتحديد لمراقبة أنشطة حزب "الغد" المعارض في الطابق الرابع من العمارة نفسها. أتردد قليلا، ولكن إغضاءهم بصرهم عني يشجّعني على الوقوف. هكذا عند المدخل، من دون غرض محدد سوى طلب الهواء. فتأتي المقارنة تلقائيا: بالتأكيد، لو كنت سافرة، لما كان بوسعي التمتع بالهواء عند ممراته، من دون حساب.

الآن ذروة المشوار: نتوجه الى شارع طلعت المتفرع من ميدانه، حيث أقسمت اليمين مرة أن لا أعود وأزوره الا بعد التسعين من عمري. طبعا بسبب التحرشات الفظة. "الدرع" زاد من ثقتي وقلت لثريا: "هيا نأخذ الثأر من شارع طلعت حرب...! فلنمشِ في وسط الشارع، بين السيارات، ولنرَ...". كانت المتعة: متعة الحصانة لا الثأر. ومجرّد الحصانة، عدم الاستباحة، بالنظر أو اللسان أو اللمس، تُغني عن متعة الثأر.

انتهى المشوار. نوقف سيارة تاكسي. زحمة السير خانقة والتاكسي شبه واقف. وسط هذا كله يطلّ عليّ رجلٌ برأسه من نافذة سيارة التاكسي؛ رجل وقور، وعلى وجهه أسف ومرارة، يقول لي لاهثاً: "مش حرام اللي بتعمليه بنفسك ده؟!". حرام ديني؟ أم حرام "جمالي"؟ بالتأكيد لا يقصد بأن ما ألبسه حرام دينيا. انه على الأرجح حرام "جمالي"؛ أي ان ما بدا مني من خلف النقاب "يوعد" بالأجمل منه. وهذا الأجمل، حرمت عيون هذا الرجل بالتمتع به، وحرمت نفسي ايضا بالتمتع بمتعة نظر غيري. ولكن من قال ان الوعد بالجمال يقلّ متعة عن تحقيقه؟ ربما تفكر المنقبة المهتمة بأثر أنوثتها على هذا النحو، وربما لا تفكر، أو تفكر بشيء آخر...

لماذا أختار النقاب اذن، لو كان الحجاب مفروضا بقانون؟ ربما لأن النقاب سوف يتيح لي أن اسخر من قوانين الدولة، بعدما أُشبعت قوانين المجتمع فوضى وتقهقراً. وإلا فالهروب الى الجحيم.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬