[1]
برد الدير وغليان السياسة
جئت إلى «كلية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا» تلميذاً داخلياً في خريف العام 1958. كنت داخلاً إلى صف البكالوريا الأولى وأنا دون السادسة عشرة بقليل. كان أمامي سنتان إذن قبل أن أقف على باب الجامعة إذا كان النجاح حليفي، وقد أمضيت هاتين السنتين مقاصدياً. قبل ذلك، كنت تلميذاً داخلياً لسنتين أيضاً في دير سيدة مشموشة قرب جزين. هناك حصلت على الشهادة التكميلية وأنهيت السنة الأولى من المرحلة الثانوية. وأما الشوط الأطول من حياتي المدرسية، وهو ثماني سنوات، فكنت قد أمضيته في المدرسة الرسمية في بنت جبيل، بلدتي التي شهدت ولادتي ونشأتي الأولى على الطرف الجنوبي من جبل عامل. كنت قد وصلت من دراستي إلى أقصى المتاح في بنت جبيل، أي في بيت والديّ وبين أترابي وفي العالم الصغير الذي فتحت عيني عليه. فكان لا بدّ من الرحيل بعد ذلك إلى مدرسة أبعد مرمىً أواصل فيها سعيي إذا أردت أو أريد لي أن أحظى بالنصيب المأمول مما كنا نسمّيه المستقبل.
لم يترك الاهتمام بانهيار الأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الوسطى والشرقيّة، مع نهاية الحرب الباردة، كبير مكان للاهتمام بما أصاب الأحزاب الشيوعيّة في أوروبا الغربيّة.
والحال أنّ سقوط جدار برلين، معطوفاً على تحوّلات داخليّة في البلدان الأوروبيّة، تكفّلَ بإنهاء الشيوعيّة في كلّ من إيطاليا وفرنسا، حيث شكّلت أحزاب المنجل والمطرقة، منذ الحرب العالميّة الثانية على الأقلّ، جزءاً عضويّاً من الحياة العامّة للبلدين المذكورين. هكذا نشأ الواقع الجديد، المهول قياساً بسابقه، مجسّداً في خلوّ أوروبا الغربيّة من الشيوعيّة، وتحديداً من حزبيها الأكبر: الإيطاليّ، الذي صار اشتراكيّاً ديموقراطيّاً، والفرنسيّ الذي ضمر وانكفأ إلى هامش ضيّق.
هل ولدت شاعراً. يلقي الشعراء تبعات شاعريتهم على كواهل النجوم والحظوظ والمصادفات. إذ لا يصدق أحد أن المرء يختار نفسه شاعراً، وأنا لا أختلف عنهم في ذلك. لم أختر نفسي شاعراً فذلك ليس خيار أحد لكني اخترت نفسي ناثراً فالنثر يُختار. ولدت في بيت ليس فيه سوى الكتب والكلام وعليه فقد تمرسنا بالكلام بسرعة تتعدى أعمارها والتمرس بالكلام ببساطة نثر وفن الكلام هو النثر.
تتسلّل «البروباغاندا» إلى كلّ مظاهر الحياة في العالم العربي. وإذا كان الملصق السياسي والحملات الإعلانيّة وحتى منشورات الأطفال تخدم أجندات سياسيّة مختلفة، فليس مفاجئاً أن يتحوّل الشريط المصوّر بدوره إلى أداة للدعاية السياسيّة.
حين قررت غوغل مد المتظاهرين في مصر بتقنية تتيح لهم إيصال رسائلهم إلى موقع تويتر عبر خطوط هواتف أرضية، كانت الإدارة الأميركية تراقب الأوضاع في مصر بمزيج من القلق والتردد. غوغل هي واحدة من درر تاج الأمبراطورية الأميركية، وقد تكون الأثمن على الإطلاق. لكن الإدارة السياسية تتعامل مع الافكار والمواقف، أما الإدارة التكنولوجية فتتعامل مع الوسائل والوسائط. في هذه الثورة نجحت الوسائط في إثبات جدارتها بتصدر المشهد العام في كل بلاد العالم، لكن الأفكار ما زالت حتى اللحظة أعجز من أن تجد حلولاً للمشكلات المزمنة. إنها ثورة غوغل ونظرائها. لقد تسيّدت أميركا على هذا القرن الطويل منذ بداياته!
البيئة المعمارية لريتشارد غريفز (مونتريال، 1952) تغرس في نفوسنا نوعا من القلق يشبه ذلك الناجم عن الوقوع في قبضة حلم لا ينتهي، أو نبض قويّ لا يمكن كبحه. انها تسحرنا وتهزنا، تفقدنا توازننا، مجازيا وحرفيا. إنها تحرض على الهجر وتشجّع على نوع من شرود الخيال.
الثورة حلَبة واسعة تتّسع للجميع. انها الحضن الدافئ، المضياف، السخي. انها زمن الغبطة والأمل والحلم. انها العيد، أو «الكرنفال»، كما وصفها بعضهم. كم من المشتركين فيها عبّروا عن سعادتهم بها، عن ولادتهم الجديدة، عن انبعاثهم، بفضلها، من بين الأموات؛ كم منهم بكى فرحا بها وابتهاجا.
عدسة الكاميرا لا تخشى التسلل إلى تفاصيلي الحميمة، والعبث في مستودعات المخيلة حيث الرغبات تأكل نفسها من شدة النزوع نحو التحقق. ثمة ما يجعلني مصمماً على اختزان لحظة ما، تكثيفها داخل إطار.
تفقّد المدينة عبر الصور والتدقيق في زواياها المهملة وشوارعها المثيرة، هواية جديدة تعلمتها لحظة أتيت إلى بيروت. ثمة إغراء يدفعني لالتقاط الصور، أمام كل مِعلم، وفي جانب أي مكان. بيروت مدينة تدفعك إلى تصوير جسدها، مشاهد تمر من أمامك تشعر بالحاجة إلى تجميد تفاصيلها.
لم تكن المسيرات تستهوينا، نحنُ الجيل الذي خرجَ من رحم هزائم الآباء، الجيل الذي فتحَ عينيهِ ليكتشفَ أنّهُ جاءَ إلى مجتمع يفرض القمع لغة، وأن الخوف قدر يجب الإيمان به. مجتمع لم يعرف في العقود الأخيرة سوى لغة الدم، لغة الموت، ولغة التصفيات الجسدية لكلّ من يوضع في قائمة الخيانة. المسيرات لم تكن تعني لنا شيئاً. نخرج في مارس وفي أبريل، نخرجُ أثناء أي حرب في قطاع غزّة، نخرجُ في مسيرات كلّما تحدثَ الأخ الأكبر عن الامبريالية والصهيونية، نستمعُ في كلّ خطاب لذاتِ اللغة، لذات المفردات: «عدو، رجعية، جرذان، الزحف الأخضر، هجرة الجنوب، الثورة، المحكمة الثورية، طــزّ، ساعة العمل وساعة الزحف». وللأسف، كنّا نملكُ «ريسيفر» بث تتحكم بهِ وبقنواته الحكومة، وكان كلما خرجَ الأخ الأكبر ليخطب في شعبهِ، تحوّلت العشرون قناة في جهاز الريسيفر إلى قناة واحدة، وهي قناة القنفوذ الجماهيرية. نستمعَ إلى الخطاب التاريخي حتى آخر كلمة ثمّ نعودُ إلى برامجنا الترفيهية. أبي كان يغضب كلما قُطعت القنوات العالمية واستبدلت بوجه الأخ الأكبر. كنّا نسميهِ «الحمار»، وكانت هواية أبي المفضلة كلما رآه على التلفاز هو البصق في الشاشة الصغيرة.
مئات الصفحات كي يقول العشبةُ ماتت
كي يقول القمرُ نام،
مئات الصفحات كي يقول خُذِ الشمعة
إنها في الزاوية هناك، مطفأة
أشعِلْها بأنفاسك إنْ شئتَ أو أَبقِها مطفأة وإنْ شئت
ارْمِها،
مخيّلاتنا مسكونة بالأشباح. هنا نتائج استقصائي للأشباح المألوفة التي تطمئن، ولتلك الكسولة التي تحيلنا مشاكسين، وفوق كلّ شيء آخر، للأشباح المخيفة التي تثبّط عزيمتنا. فالماضي يجثم علينا، لكنّ الناس، بين وقت وآخر، يغيّرون رأيهم في ما خصّ الماضي. وأنا أريد أن أُظهر أن الأفراد، في يومنا هذا، يسعهم أن يكوّنوا رأياً غضّاً، أكان في ما يتّصل بتاريخهم الشخصيّ أو في ما يتعلّق بمجمل السجلّ الإنسانيّ من حيث القسوة وإساءة الفهم والفرح. فلامتلاك رؤية جديدة عن المستقبل، من الضروريّ دائماً امتلاك رؤية جديدة عن الماضي.
يسهل التقليل من شأن التحذير الذي وجّهته حنّة أرنت في «أصول التوتاليتارية» حول قابلية نشوء نظام توتاليتاريّ في الهند. فالإلتفات إلى التطوّر الإجماليّ الذي عرفته الديمقراطية الهندية، منذ الاستقلال عام 1947 إلى اليوم، لا يوحي كثيراً بأنّ هذا التحذير كان له ما يبرّره.
هذا لا يلغي صعوبة المسار الذي سلكته التعددية الحزبية والسياسية لتقليص الهيمنة المديدة لحزب المؤتمر ولدمقرطة حزب المؤتمر نفسه. كما لا يلغي مفارقة أنّ الحزب الرئيسيّ الذي تمكّن من مناهضة حزب المؤتمر وبالتالي توسيع الإمكان الديمقراطيّ في هذا الإتجاه، كان حزب الأصولية الهندوسية المنهمك بـ«التأصيل» الهزليّ في أحيان كثيرة لأسماء المدن والشوارع ومحطات القطارات.
تُقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط منذ فترة، وتتعدّد السيناريوات المُفضي أغلبها إلى مجابهاتٍ وفي أكثر من موضع.
الفقرات التالية قراءة في بعض أوضاع المنطقة انطلاقاً من تشريح ديناميّتين: أميركية متراجعة وإيرانية متقدّمة (وإن استنفدت منذ أشهر تقدّمها). وفي هذين التراجع والتقدّم (المُستنفَد) ما قد بدأ يغيّر العديد من المعطيات القائمة منذ 2005 دافعاً نحو التصادم، وربما نحو بروز دينامية جديدة، تركية، ما زالت اليوم محدودة المعالم.
لا أعرف كيف يحدث ذلك. لمسة خفيفة غير متوقعة للكأس فيقع على جنبه ويسيل منه الماء، أو الشاي أو النبيذ على الطاولة، وربما على مفرشها الأنيق، وسيبقّعها ويجري بين الصحون والأطباق، وإذا الطاولة التي كانت زينة قبل قليل تصبح رطبة ملطخة. ستكون شهية وناصعة وتتحوّل وسخة مبقعة. سيتغلغل السائل تحت الصحون وحولها وربما ينسكب من الحافة على بنطلوني أو، يا للهول، على ثوب إحدى السيدات.
الفصل الأول
الصورة الأولى
صف ع جنب. طفّي السيّارة. نزال ع الأرض. اعطيني الكاميرا.
هويتك. وراق السيّارة. رخصة السواقه.
افتاح الصندوق. التابلو. اعطيني الكاميرا.
وين ساكن؟ من وين بالأصل؟ شو بتشتغل؟ وين بتشتغل؟
صحافي؟ مسرحي؟ ممثل؟ وين بتمثل؟
في سنة ما سقطت الطائرة قرب ضيعتهم برهن أهل الشومرا أن لا أحد منهم يحبّ أحدا. كانوا يشون على بعضهم البعض كلّما أتى الإنكليز مع ترجمانهم ليسألوا أين هو الطيّار. حتى أنّ ديب حجازي وشى على أبيه بعد لكمتين انخضّ من قوّتهما رأسه. "أني يا ديب خبّيت الطيّار.. أني؟" صار يقول له أبوه أمام الإنكليز. وكان يجيبه إبنه "إيه إنتي". "ولك ديب، أنا؟" يعود يسأله أبوه، فيجيب ديب، مكلّما الإنكليز والترجمان: إيه هوّي، هوّي اللي خبّا الطيّار.